ثمة فرق جوهري بين المؤرخ، والفيلسوف في تناولهما للحدث، فالأول يكتب عنه بعد مضيه؛ بما يجعله في مأمن مما لا يحمد عقباه، والثاني - وهو الفيلسوف - قد يدفعه إيمانه بدور الفلسفة في المجتمع أن يدلي بدلوه في أحداث عصره، ومناقشة قضاياه، خاصة إذا كان يملك اتجاها فلسفيا سياسيا متأثراً بفلاسفة اليونان، ومعبرا أيضآ عن مشاكل مجتمعه وبيئته وأمته الإسلامية، وهو ما حدث مع ابن رشد الحفيد فيلسوف الأندلس العظيم.
وابن رشد الحفيد هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المولود بقرطبة ٥٢٠ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم /الموافق ١١٢٦ من الميلاد، والمتوفى سنة ٥٩٥ من الهجرة الشريفة /الموافق ١١٩٨ من الميلاد... وقد سمي بالحفيد تمييزا عن جده الفقيه ابن رشد صاحب الفتاوى والنوازل الفقهية المتوفى سنة ٥٢٠ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويعد ابن رشد أحد أعظم فلاسفة المسلمين في الأندلس، إن لم يكن أعظمهم، رغم اختلاف الآراء حوله على نحو ما اوضحته في كتابي ضمن دراسات متخصصة عن جوانب من حضارة المغرب والاندلس.
كما أن الرجل أيضآ يعد أحد أعلام المسلمين في الفقه والطب والقضاء، وهو ما يعد نموذجا لصاحب الفكر الموسوعي، لدرجة انه لم يدع النظر والقراءة منذ أن عقل إلا في وفاة أبيه، ويوم زواجه.
وانطلاقا من هذا التميز، وهذه الثقافة الموسوعية التي أشرت إليها فقد سعى ابن رشد إلى مناقشة ماهية الدولة التي عاش في كنفها وقيمتها؛ وذلك تأسيا بفلاسفة اليونان من أمثال سقراط، وأرسطو، وأفلاطون الذي قام بترجمة كتابه الجمهورية فيما سمي (تلخيص السياسة) (والضروري من السياسة) وكلاهما واحد، ولم يكتف الرجل بالنقل والترجمة، بل راح يناقش قضايا عصره، وأمته، والدولة التي عاش فيها، وهي دولة الموحدين. إحدى الدول البربرية الكبرى التي جمعت بين المغرب والأندلس، وقامت على انقاض دولة المرابطين.
هاجم ابن رشد استبداد دولة الموحدين، وهذا يتفق مع ماجاء في بعض الكتابات عنها إنها دولة قامت على الدم على يد داعية الموحدين الديني ابن تومرت مهدي الموحدين. عاب على دولة الموحدين ابتعادها عن السياسة الشرعية التي اتخذتها دولة المرابطين، خاصة في عهد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، والتي ارتضاها جده الفقيه ابن رشد. عاب على الموحدين كثرة الجبايات والمكوس والنظام الجبائي الذي اتبعته الدولة، وعاب على طبقة الحكام من الموحدين تسمية أنفسهم بالسادة الموحدين، وكأن ما عداهم من رعايا الدولة هم عبيد في نظرهم. كما عاب على هؤلاء السادة سيطرتهم على أموال الدولة وخزينتها، وتركز أموال الدولة في أيديهم وهم القلة.
وقد عاش ابن رشد في ظل خلافة أبي يوسف يعقوب المنصور ثالث خلفاء دولة الموحدين، وقد عاب عليه ميله إلى الاستبداد والتسلط، والإسراف في الإعدام والقتل وسفك الدماء،، وقد كان هذا هو السبب الرئيسي في حدوث نكبة ابن رشد وإحراق كتبه، وهو ما يعني ان الرجل كان له موقفه ورؤيته تجاه فترة الحكم التي عاصرها.
ولم يكتف ابن رشد بهذا؛ بل كان مشجعا للأمير الموحدي أبي يحيى يعقوب في توليته للحكم بدلا من يعقوب المنصور، وكان يرى فيه - وهو شقيق المنصور - نموذجا للعدل والتوسط في الحكم، وكان من جراء ذلك إعدام الأمير أبي يحيى، وحدوث نكبة ابن رشد، وفي هذا ما يعبر عن الأسباب الحقيقية لنكبة الرجل، وهو ما لم تكشف عنه المصادر التاريخية بوضوح، وإنما كشفت عنه المصادر الفلسفية، بما يشير إلى أهمية الأخيرة في الكتابة التاريخية.
ومع وفاة ابن رشد استطيع القول - وأنا مطمئن القلب - إن الرجل ترك ميراثا فلسفيا سياسيا، تحدث فيه عن قضايا عصره، ونظم الحكم، وشخصية الحاكم، بل إني اجتهد فيما هو أكثر من ذلك، فأزعم أن حديثه عن الفيلسوف الحاكم ماهو إلا تعبير عن ضرورة ان يتصف الحاكم بالعقل الفلسفي في حل مشكلات دولته، فإن لم يكن كذلك، فليتصف بالعلم، وان يكونا محبا له مقربا للعلماء وأهل العلم، وهذا يتفق مع ما قاله الفقيه الماوردي - من قبل - في حديثه عما ينبغي أن يتصف به الحاكم من العلم.. والعدل، وغير ذلك مما ذكره في الأحكام السلطانية، فالعلم يحمي من التسلط والظلم والاستبداد، وبه تقام المجتمعات على أسس سليمة....
تحية إلى روح ابن رشد، ودعاء له بالرحمة والمغفرة، ولكل من قدم علما أراد به وجه الله تعالى، وإصلاح مجتمعه. وصدق الله تعالى إذ يقول... وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (الأعراف 142).
----------------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
باحث أكاديمى وعضو اتحاد المؤرخين العرب.







